Retour

Accueil

Suite

 

مقدمة :

سيكون من قبيل السذاجة، القول بأن المقاربة بالكفايات قد وردت على المدرسة من عالم الأعمال والمقاولات فقط، و الاكتفاء بهذا التبرير الذي ينم عن جهل بالتطورات العلمية التي طرأت بصورة واسعة، في الفكر السيكولوجي والبيداغوجي وخاصة في مجالين أساسين: مجال الأبحاث السيكولوجية المهتمة بالتعلم ومجال تعليم الكبار أو الاندراغوجيا.

و ربما، كان قطاع التكوين من القطاعات الأولى التي طبق فيها مفهوم الكفاية، و خاصة تكوين العاملين في المقاولات، سواء تعلق الأمر بتكوين أولي Initial أو مستمر Continu أو تكميلي Recyclage. و بما أن الأهداف المتوخاة من مثل هذا التكوين تتسم بقدر أكبر من الوضوح، نظرا لارتباطها بجوانب مهنية وتقنية، و باعتبارها تشكل موضوع استثمار يستدعي مردودية ملموسة، فإن تحديد هذه الأهداف في صيغة كفايات كان أمرا ضروريا تفرضها مقتضيات دفاتر التحملات الموقعة بين المؤسسات الإنتاجية و الخدماتية من جهة، و المكاتب أو المؤسسات المكلفة بإعداد و إنجاز برامج التكوين من جهة ثانية.

و لم يكن لهذا الأمر أن يكتمل و يتم، لولا تطور الأبحاث السيكولوجية و البيداغوجية، التي حاولت أن تكشف الشروط و القوانين التي تتحكم في عملية التعلم. ويجب أن نلاحظ هنا، أن هذه الأبحاث قد كانت بدورها ممولة، في معظمها، من مؤسسات وشركات إنتاجية أو خدماتية أو مالية.

 

وعلى هذا الأساس، فرضت هذه التطورات العلمية، إلى جانب التطورات التي ظهرت على مستوى البنية التقنية للمهن الجديدة، تجاوز المقاربة السلوكية في التكوين لتبني مقاربة جديدة تمكن من إعداد أفراد عاملين بصورة تجعلهم لا يكتفون فقط بأداء سلوكات آلية و جزئية، بل تمكنهم من التكيف المستمر مع وضعيات عمل لا تتوقف عن التغير من جراء الإدماج المتسارع للتكنولوجيات الدقيقة.

 

من خلال ما سبق، نقف على نوعية الصلة التي كان من الضروري أن تقوم بين المقاربات البيداغوجية المستندة إلى الكفايات، والأبحاث السيكولوجية حول التعلم، وخاصة تلك الأبحاث التي جرت في سياق التوجه المعرفي. و إذا كانت هذه الصلة قد أضحت أكثر وضوحا في وقتنا الحاضر، فإن السؤال عن مدى مراعاتها بل واعتمادها في بناء مناهجنا و وضعيات التعلم في أقسامنا ومدارسنا، قد أصبح سؤالا مشروعا و ملحا، ومبرر ذلك هو التبني الرسمي للمقاربة بالكفايات في السياسة التربوية المغربية. بحيث وضعت قوائم من الكفايات التخصيصية أو النوعية و الكفايات الممتدة Transférable، و شرع في تغيير مناهجنا وفقا لتلك المقاربة، و لكن، هل فكرنا أن بناء الكفايات المطلوبة تفرض تغيرا جذريا لطرق و تقنيات عملنا في القسم و لنمط العلاقات التربوية القائمة ؟ إذ لم نفعل ذلك، فكرا و عملا، فإن كل حديث عن " الكفايات " يبقى مجرد إطلاق تسميات جديدة على ممارسات تربوية عتيقة و متجاوزة.

 

فهذا الكتاب، محاولة لاستعراض أهم المبادئ والقوانين التي أظهرت الأبحاث والنظريات المختلفة أنها متصلة بالتعلم لدى الأفراد، إضافة إلى إبراز مدى الصلة بين هذه النظريات و المقاربة بالكفايات باعتبارها نتاجا بيداغوجيا لتلك الأبحاث.

 

و بناء على ذلك، كان الجزء الأول من الكتاب مخصصا لتتبع البحث العلمي في إطار التعلم. و للوقوف عند المحطات الأساسية لهذا البحث، فكانت البداية بالنظريات التقليدية التي اهتمت بالتعلم، في جوانبه العامة، كالسلوكية على سبيل المثال. أما الخطوة التالية، فقد عرفت التطرق لأهم النظريات الحديثة التي نعتبرها أكثر التصاقا بالمقاربة بالكفايات و يتعلق الأمر أساسا بنظريات التوجه المعرفي أو المعرفي البنائي .

أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد كان الاهتمام الأكبر هو توضيح المفاهيم الأساسية للمقاربة بالكفايات، وخاصة مفهوم الكفاية في تضميناته المختلفة، دون إهمال الكيفية أو الكيفيات التي يوظف بها هذا المفهوم على مستوى المناهج وعلى مستوى الممارسة التعليمية على حد سواء.

 

 

 المؤلف.

 

Suite